Saturday, 23 August 2014

المسيح الدجال


الـمـسـيــح الــدجـــال
يحرص المؤمنون على قراءة سورة الكهف يوم الجمعة لما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم من أن قراءتها تعصم من فتنة المسيح الدجال. و قد وردت الأحاديث التي تصف فتنة المسيح الدجال ليُفهم من مجموعها أنها فتنة رجل يدّعي الألوهية و أوتي الكثير من الإمكانيات و القدرات الخارقة, و أنه من مقدمات و أشراط الساعة و نزول عيسى عليه السلام.
و قد كتب العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله رسالة عنوانها " نظرات في تفسير سورة الكهف ". و ربط في هذه الرسالة العصمة من فتنة المسيح الدجال بفهم و تدبر و التزام الدروس التربوية المستفادة من القصص المذكورة في السورة بالإضافة إلى محوري السورة الأساسيين و المتمثلين بالإيمان بالله و اليوم الآخر.
و كتب " محمد أسد " رحمه الله في كتابه " الطريق إلى مكة " تعليقاً ذكر فيه الحضارة الغربية و نظرتها المادية و إهمالها الحاجات الروحية و قال إن الحضارة الغربية هي الأعور الدجال الذي ينظر بعين واحدة و أن فتنة المسيح الدجال هي افتتان الناس بالمنجزات المادية و النظرة المادية لهذه الحضارة التي تعدهم الخلاص و السعادة و الوفرة و لا تزيدهم إلا حيرة و شقاءً.
و قد أنكر الشيخ محمد الحامد رحمه الله أن يُحمل الأعور الدجال على المعنى المجازي, و ذكر أن جميع الأحاديث الواردة عن الدجال تتحدث عن شخص حقيقي يتكلم و يتحدى و هو بعين واحدة, و ليس عن شخص اعتباري كما يفهم من تعليق " محمد أسد " رحمه الله.
لا شك أن المفتونين بالدنيا و زينتها و الذين لا يقيمون وزناً للإيمان بالله و اليوم الآخر هم فئة من الناس يجدهم المرء في كل عصر و مصر. و الدجال لا يربي أتباعه و أعوانه و لا يدربهم ولكنه يجدهم بصفاتهم و توجهاتهم و ميولهم في كل عصر و كل جيل. و المفتونون بالحضارة المادية الغربية و الخاضعون لثقافتها العنصرية و مقايـيسها المادية، هم بلا شك مؤهلون ليكونوا من أتباع الدجال و حملة فتـنته و شرّه. و مما يرشح هذا الفهم و يضع دروس سورة الكهف طريقة للنجاة من الفتن التي تسبق فتنة الدجال كما تعصم من فتنة الدجال, ما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن حذيفة ابن اليمان قال : كنَّا عندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فذكَر الدَّجَّالَ فقال : ( لَفِتنةُ بعضِكم أخوفُ عندي مِن فتنةِ الدَّجَّالِ إنَّها ليسَتْ مِن فتنةٍ صغيرةٍ ولا كبيرةٍ إلَّا تتَّضِعُ لِفِتنةِ الدَّجَّالِ فمَن نجا مِن فتنةِ ما قبْلَها نجا منها وإنَّه لا يضُرُّ مسلِمًا، مكتوبٌ بيْنَ عينَيْهِ : كافرٌ مهجَّاةً: ك ف ر).
و في الحديث الصحيح الذي اخرجه السيوطي عن أبي ذر الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :  غير الدجال أخوف على أمتي من الدجال، الأئمة المضلون .
و في هذا العصر الذي يهيمن فيه النظام الدولي الغربي باستكباره و صلفه و امكانياته العسكرية و الإقتصادية و الإعلامية، يثير الفتن و يدمر البلاد و يشرد العباد و يقيم و يدعم " الأئمة المضلين "، لا يملك المرء أن يتجاهل ما قاله " محمد أسد " رحمه الله، على الأقل من وجهة النظر التي تعتبر فتنة الحضارة الغربية أو تجليات النظام الدولي الغربي هي فتنة من مقدمات فتنة الدجال التي تستدعي الكثير من الوعي لزيف و كذب و دجل كل يلفقه الإعلام و ما يردده " الأئمة المضلون ".
و من المعلوم أن صرف معاني الأحاديث النبوية عن ظاهرها دون حاجة أو ضوابط منهجية أمر غير مقبول. و لكن التشابه بين ما ورد من صفات الدجال و ما تنطوي عليه الحضارة الغربية من تبجح و كذب و بهتان و افتراء في التعامل مع المسلمين، يجعل من الضروري التنبيه إلى ما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم بشأن العصمة من الفتن و خاصة في زمان يتعاظم فيه البلاء.
و من هنا كان على المؤمن و هو يقرأ سورة الكهف ان يستحضر الدروس التربوية في السورة و يتخذها منهج تدبر و تفكر و منهج نظر و اعتبار في مواجهة الفتن المعاصرة والتي لا تكاد تنتهي، ليكون المؤمن أبداً مستعداً بيقظة و وعي لجميع الفتن و مقدمات فتنة الدجال " فمن نجا من فتنة ما قبلها نجا منها " .
-        فقصة أصحاب الكهف هي قصة التكريم و التقدير للذين اختاروا الإيمان و مقتضياته على الدنيا و كل ما فيها من وشائج و علائق.
-        و قصة صاحب الجنتين هي قصة التحذير من العجب بالنعمة و نسيان المنعم، و الركون إلى الزينة و الإمكانيات المادية و الظن أنها دائمة لا تحول و لا تزول.
-        و قصة موسى و الرجل الصالح هي قصة الإطمئنان إلى الغيب ألذي يعلمه الله و يحقق به قدره كما يشاء سبحانه. فإن كثيراً من البشارات النبوية الغيبية فيما يتعلق بأمة محمد و دورها في التاريخ قد تستعصي على الفهم و إدراك الكيفيات. و ما على المؤمن إلا أن يتمسك بالإيمان بالغيب و يطامن من اعتداده بما يعلمه من وسائل التمكين وكيفيات الظهور عندما يأتي الخبر الصادق ممن منح العلم اللدني، و هو في حقنا محمد صلى الله عليه و سلم لا غير.
-        و قصة ذي القرنين هي قصة التمكين في الأرض بمعرفة الأسباب و اتباع الأسباب. فالمؤمن متعبد بامتلاك أسباب التمكين و مهارات القيام بمهمات و مسؤوليات التمكين. فالأرض لله يورثها من يشاء و العاقبة للمتقين.
فإذا استصحب المؤمن هذه الدروس في مواجهة ما يلقاه هذه الأيام من ابتلاء و محنة، كانت له عدة ثبات و عدة نجاة إن شاء الله.
 و الله تعالى أعلم.

Monday, 21 July 2014

الـعـلـم الـنــافــع


الـعـــلـم الـنـــافـــع
استعاذ النبي صلى الله عليه و سلم من " علم لا ينفع ", و هذا يقودنا إلى السؤال الطبيعي : ما هو العلم النافع؟ و ماهو العلم الذي لا ينفع ؟ و ما هو معيار التمييز بينهما ؟
فالإنسان مجبول على حب المعرفة و كشف ما حجب عنه من أسرار الوجود و حقائق الكون و ذلك منذ أن علّم الله تعالى آدم الأسماء و صار الإنسان بذلك مخلوقاً متميزاً بإمكانيات عقلية و بالقدرة على التعامل مع الرموز و الأسماء و الوصول منها إلى المعاني و الأفكار. و ارتبطت سعادته في الدنيا و الآخرة بالتعامل الصحيح مع فطرته العقلية و امكانياته الفكرية " فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى . و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى ".
حث القرآن الكريم المؤمنين على النظر في ملكوت السموات و على السير في الأرض و سبر أخبار الأمم و أحوال القرون السالفة و على التفكر في آيات الخلق و عجائب الصنع و لطف التدبير. و كل هذا ينسجم مع فطرة الإنسان في التطلع إلى المعرفة و التشوق إلى ارتياد آفاق العلم. و لكن القرآن الكريم لا يحث على المعرفة للإبتهاج بالغرائب و الإستمتاع بالعجائب و إرضاء الفضول, و لكنه يوجه المؤمنين إلى استجلاء العبر و الدروس و اكتساب الحكمة العملية و تصديق الآيات الإيمانية. فيستقيم العقل على منهاج النظر إلى الأدلة و البراهين بعيداً عن الخرافة و اتباع الظنون. و يستقيم القلب على سنن الحكمة العملية و النظر إلى العواقب بعيداً عن الهوى و ما تزينه رعونات الشهوات. وتستقيم الجوارح على سنن العدل بتوجيه عقل رشيد و قلب سليم.
وقد نظر العلماء إلى طريقة القرآن في التعامل مع فطرة التطلع إلى المعرفة و استقرؤوا موارد الحكمة فيها و وصلوا إلى تقرير معيار مفيد للعلم النافع. فقد قرر الإمام الشاطبي في مقدمات كتاب " الموافقات " أن العلم النافع الذي مدحه الله و رسوله هو العلم الذي ينبني عليه عمل. و يتضمن العمل أعمال الجوارح و أعمال القلوب من اعتقاد الحق و محبة الإيمان و أهله و كراهية الباطل و أصحابه.
سئل أحد الصالحين عن أفضل العلم و أفضل العمل فقال: أفضل العلم علم الحال و أفضل العمل حفظ الحال. و معنى هذا أن أفضل العلم هو معرفة ما يتعلق بما يقوم به المرء من أعمال و مهمات و مسؤوليات لتتطابق مع مقتضيات المقاصد الشرعية و الحكمة العملية و السنن الكونية. و أفضل العمل أن يجاهد المرء نفسه ليحفظ ما يقوم به من أعمال على مقتضى مقاصد الشرع و حكمة العقل و سنن الكون. و هو كلام يخرج مع كلام الإمام الشاطبي من مشكاة واحدة.
و مدار الأمر في تحقيق النفع هو توجه الإنسان و قصده, فمن قرأ الأدب – مثلاً – و كان قصده و توجهه ما نقل عن الإمام الشافعي : من تعلم الأدب حسن خلقه و رق طبعه و لان معشره. بالإضافة إلى التمرس بتصاريف البيان و طرق أداء المعاني و الذي يعتبر مقدمة ضرورية لأي مشاركة جادة في بناء ثقافة الأمة و تأكيد هويتها, كان كل ما يقرأ من شعر و نثر و قصة أو أي عمل أدبي آخر, (يعرّف  سيد قطب رحمه الله العمل الأدبي في كتابه " النقد الأدبي " بقوله : العمل الأدبي هو تسجيل تجربة شعورية بلغة موحيه ) , كان كل ما يقرأ علماً نافعاً و مساهمة جادة في التعرف على ثقافات الشعوب و مزاجها و طريقة تصرفها للتعامل معها, ولبناء الجسور على قاعدة المشترك الإنساني, و لبناء ثقافة معاصرة رشيدة.
و من قرأ التاريخ و المذكرات و التراجم كان ما يجده من المتعة أمراً زائداً على معرفة دروس التاريخ و مزاج الشعوب و هوية الأمة و حقيقة أعدائها, فالتاريخ هو الذي ينشئ البصيرة العملية لبناء المستقبل و تجنب العثرات و المطبات التي يقدم التاريخ خلاصة تجاربها لمن كان له قلب و قرأ طالباً للعلم و المعرفة و لا يتوقف عند مجرد المتعة و النشوة أو الوقوف على الأطلال.
و من قرأ في أي مجال من المعرفة و كان توجهه تنمية المهارات و النظر إلى وسائل تحسين الأداء و تحليل الأنظمة الإدارية و التنظيمية و معرفة الكيفيات و التقنيات في كل ما يتصل بالنشاط الإنساني, كان ذلك التوجه مفتاحاً للنفع و الفائدة يستخلص بها المرء الكثير مما لم يكن يتوقعه من الخير. و لعل هذا هو المعنى عندما جاء الأمر الإلهي " إقرأ " بصيغة مطلقة خالية عن أي تحديد ل " ماذا نقرأ " و لكن جاء التحديد الواضح للتوجه و النية و القصد " باسم ربك ". فالتوجه الصالح و القصد الجاد يجعل المعرفة توجهاً نافعاً لإكتساب ما ينشئ العمل و يوجهه للفائدة و الإتقان.
و قد ذكر الإمام ابن القيم في كتابه " الفوائد " (أن مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار، و أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر‏.‏ فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة ، فردها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها‏.‏وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه ، فإن وضع فيها حب طحنته، وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته، فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى، ولا تبقى تلك الرحى معطلة قط، بل لا بد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره ، وأكثرهم يطحن رملا وحصى وتبنا ونحو ذلك فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه‏.‏‏فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك، فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه، فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك، فمن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك‏.‏)
و في هذا العصر فتحت وسائل الإتصال و شبكات التواصل الإلكتروني الباب واسعاً على كثير من المواد المقروءة و المسموعة و المرئية و أغلبها يهدف إلى التسلية و تمضية الوقت و إثارة الفضول و الخوض في خصوصيات الناس بشكل يغلب عليه السطحية و التفاهة بعيداً عن كل ما ينفع في دنيا أو دين. و أصبح من المهم أن يحذر المرء من إضاعة الوقت و أن يستدرج للإهنمام بسفاسف الأمور و التافه من الإهتمامات. و أن يدعو الله تعالى أن يعافيه من العلم الذي لا ينفع و الذي يملأ عقله و فكره بالخسيس من الخواطر و الخيالات.

Friday, 18 July 2014

فـقه مـراتـب الـتـغـيـيــر


فـقـه مــراتــب الــتــغــيــيــر
" من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان . "
في هذا الحديث النبوي المشهور بيان لكثير من الأمور التي تتعلق بواجب المسلم في التصدي للمنكر و الوقوف في وجه انتشاره حتى لا يفسد صبغة المجتمع و هويته الإيمانية .
·       و أول ما يلفت النظر في توجيه النبي صلى الله عليه و سلم , أن موقف عدم الإكتراث من انتشار المنكر و تفشيه هو موقف سلبي يقدح في صدق الإيمان . فالمؤمن غيور على حرمات الله و لا يرضى أن يكون اهتمامه بدين الله و حرماته و حدوده أقل من غيرته على شرفه و عرضه و سمعته  أن ينالها التهاون أو التجاهل و الإنتقاص .
·       و المنكر الذي يتوجه المؤمن لتغييره هو الأمر المستعلن الظاهر بمجاهرة و تبجح, و ليس شائعات و ظنون و احتمالات و تأويلات. و المسلم مطالب أن لا يتجسس و لا يدس أنفه فيما لا يعنيه من خصوصيات الناس و ينبغي أن يحمل أمرهم على ما ظهر من حالهم و على حسن الظن ما استطاع.
·       و المنكر الذي يتوجه إليه المؤمن لمحاولة تغييره هو الأمر المجمع على كونه فساداً و حراماً مخالفاً لدين الله بما علم من الدين بالضرورة. أما ما هو محل اجتهاد من الخلافيات التي تتجاذبها الأدلة الظنية و الفرعيات و الآداب أو تقدير المصالح, فلا يجوز إلحاقها بمرتبة المنكر الذي يحاول المؤمن تغييره, بل هي أمور يجب أن تكون مجال تناصح و مناقشة علمية. و المؤمن في هذا مبتلى بالخلاف بين المؤمنين و الذي يجب أن لا يخرجهم عن ما يجب عليهم من سلامة الصدر و الحب في الله و عدم البغي على المخالفين.
·       و الأمر بالتغيير يفيد الوجوب على من تحققت فيه ثلاثة شروط : سلطة مشروعة و قدرة كافيه و معرفة بعواقب و مآلات الأمور.
سلطة مشروعة : فالرجل راع في بيته و يملك سلطة التأديب على أولاده و أهل بيته  بما يراه مناسباً للحال. و الأفراد لا يملكون سلطة على المعتدين على النظام العام من المجرمين القتلة أو اللصوص أو المعتدين على الأعراض, و ينبغي إبلاغ الأمر إلى صاحب السلطة المشروعة ليتولى مهمته في ايقاف المنكر و قمع القائمين به. و محاولة الأفراد وقف و تغيير المنكر فيما وراء الدفاع عن النفس أمر ينطوي على مخاطر و مجازفات. و ادعاء السلطة و النفوذ بغير طريقها المشروع افتئات على الأمة و فتح لطريق واسع من الفتنة.
قدرة كافية : و الأصل في هذا أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. و القدرة اللازمة لإزالة المنكر و تغييره تقدر بقدرها بفهم واقعي حقيقي للأمور و مداها و ترابطها. و الإستطاعة تحكمها سنن التدافع و قوة العصبية الجامعة و مقدار المنعة و ما يملكه القائمون بالتغيير من وسائل حشد الطاقات المكافئة للمنكر الذي يتوجهون لإزالته.
المعرفة بعواقب و مآلات الأمور :فرب محاولة مشروعة لإزالة منكر أدت إلى منكر و شر أكبر. و ذلك حسب طبيعة العصر و مزاج الناس و قدرتهم على تحمل و قبول جرعات من الحق. فالمتصدي للتغيير يجب عليه أن يستوعب الحكمة العملية في قول الله تعالى " و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم " . و كذلك عليه أن يستوعب الحكمةالنبوية في قول النبي صلى الله عليه و سلم " لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأعدت بناء الكعبة على قواعد ابراهيم ".
فإذا تحققت هذه الشروط فيمن يتصدى للتغيير و اكتملت الأسباب بما يفيد غلبة الظن بالنجاح في إزالة المنكر , أقدم متوكلاً على الله انتصاراً لدين الله و محافظة على صبغة و هوية المجتمع أن تحيد عن معيار الحق و الباطل أو أن يصيبهاالتشويه و الإتباس . و إذا تخلفت هذه الشروط وجب التوقف عن مباشرة التغيير العملي و الإنتقال إلى مرتبة التغيير باللسان.
·       و التغيير باللسان ليس موجة عابرة من الغضب و التنديد و الإستنكار و الشتم و السب و اللعن . و لكنه بيان يقود إلى التغيير.
1      و أول البيان هو التوضيح للمنكر و أنه مرفوض بمقياس الشرع و أنه يترتب عليه من الظلم و المفاسد ما لا يقبله عاقل غيور على أمته. و أن هذا المنكر ليس مجال اجتهاد أو تأويل سائغ.
2      بناء رأي عام رافض للمنكر و محاصرة فاعليه و نبذهم حتى يشعروا بالعزلة و الغربة و الإنزواء .
3      توضيح جهة المسؤولية الشرعية و القانونية و التي يجب أن تتصدى لتغيير المنكر و إزالته و تشجيعهم و مساعدتهم على القيام بواجبهم.
4      بناء دوائر الدعم و المناصرة و التأييد لإزالة المنكر حتى يتم بناء عصبية كافية تملك من وسائل الضغط و الترغيب و الترهيب ما يجعل مهمة التغيير أسهل و أقرب متناولاً على القائمين بها.
5      معالجة الثغرات التربوية و الثقافية و الإجتماعية التي قد تسبب بعض العواقب السلبية لإزالة المنكر حتى لا تتخذ هذه الثغرات مبرراً لإستمرار المنكر و دوام الباطل.
6      لا بد من تكامل جهود البيان بكافة أشكاله و وسائله من الكلمة المسموعة و المقروءة و المشاهد الحية المؤثرة مستصحبة شروط نجاح العمل الفني من مراعاة الصدق و الإبداع و الواقعية و الإرتباط بثقافة الأمة و مزاجها و عقليتها.
·       و عندما يتعذر البيان بهذه الشروط التي تجعله تمهيداً لإزالة المنكر, و تعرض القائمون على البيان للمحنة و التضييق, وجب على أصحاب البيان أن يحذروا من الإنتكاس عن مهمة إزالة المنكر أو التمهيد لها, فيعمدوا إلى تبريرالمنكر أو تشويه الجهود الرامية إلى إزالته. فصمت كريم أولى من تبرير عقيم يذهب بالمصداقية و يشوه معيار الحق و الصواب.
·       و في ظروف الإستبداد و الطغيان حيث يعظم البلاء على اصحاب البيان. يلجأ المؤمن إلى السكوت مع كراهية القلب و الوعي بأن هذا السكوت لا يعني الرضا و الركون إلى الذين ظلموا, بل هو التربص و الإنتظار لفرصة يمكن فيها البيان. و لو لم يكن الإنكار بالقلب بهذا الوعي المتربص لما سماه النبي صلى الله عليه و سلم تغييراً لأنه مقدمة و قرينة صادقة لكل تغيير قادم.
·       فإذا طال الأمد على السكوت حتى خمدت جمرة الغضب و الغيرة على حرمات الله في قلب المسلم فليسمع حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : أوحى الله تعالى إلى ملك من الملائكة أن اخسف بقرية " كذا " . فقال الملك : كيف اخسف بهم و فيهم العابد " فلان " ؟   فقال الله تبارك و تعالى  : به فابدأ , فإنه لم يـتمـعّـر ( يتغير ) وجهه فيّ يوماً قط .