Monday, 28 April 2014

التفسير الخرافي للإيمان


الـتـفـسيــر الخــــرافي للإيـمـــان

 

الإيمان هو التصديق الجـازم و الإطـمئنان القلبي اليـقيني بنسق فكري أو رؤية كونية أو ممارسات عملية . و الرؤية الكونية الإسلامية تتمثل في الإيمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و القدر , و ما ينبني على هذه الحقائق من أعمال القلب و الجوارح . فالإيمان هو ما وقر في القلب و صدقه العمل .

و الخرافة هي كل فكرة أو اعتقاد يصادم المنطق و بديهيات العقل و قوانين السببية في عالم الشهادة , أو يصادم منطق و قوانين عالم الغيب .

و الماديون يحصرون الحقيقة في ما تتناوله الحواس و تعاينه و تقيسه , و يحيلون إلى عالم الخرافة و الأوهام كل ما لا يقع في دائرة الحس من الروحانيات و الغيبيات . و يتعاملون مع كل ما في الكون بمنطق مادي صارم , و يزيد من حماستهم في هذا السبيل الإكتشافات العلمية التي زادت من قدرات الإنسان على التمكن من تسخير طاقات الكون إلى آفاق غير مسبوقة في تاريخ الإنسان . و عندما يواجَه الماديون بالسؤال الفطري الذي يلح على ضمير الإنسان عن المنشأ و المصير و الغاية و الهدف من الحياة , تتبدّى ألوان من العبثية و العدمية و التحكمات و المصادمات لمنطق الفطرة بما لا يؤهل الماديين الملحدين ليكونوا من أولي الألباب لأنهم متورطون في التفسير الخرافي للوجود , و لن نعرّج عليه في هذا المقال .

و المؤمنون يؤمنون بكل ما تنقله إليهم حواسهم و يتعاملون معه بمنطق عالم الأسباب مثلهم في ذلك مثل غيرهم من البشر , و لكنهم يتأدبون مع الله فينسبون كل ما يتعاملون معه من أسباب و قوانين و خواص للمادة و الأشياء إلى خلق الله و تدبيره و جَعْلِه و حكمته حتى لا يصيبهم غرور الماديين و جحودهم و انطماس بصيرتهم . و المؤمنون كذلك لا يحصرون الحقيقة في المادة و ما تدركه الحواس , و يؤمنون بعالم الغيب المتعالي عن الإدراك الحسي البشري . فالبشر يدركون وجود عالم آخر غير ما تنقله إليهم حواسهم بشكل مباشر , و ذلك  بشكل كلي اجمالي يدفعهم إلى الإيمان به حدسهم و فطرتهم و دلالات عالم الأسباب , و لكن إدراك الكيفيات و العلم التفصيلي بالجزئيات لا يتيسر لهم إلا أن يعتمدوا على الوحي الصادق فيقفون عند ما يخبرهم به دون زيادة أو نقصان.

و التفسير الخرافي للإيمان هو اختلال في فهم الإيمان يقحم تناقضاً بينه و بين التعامل بجدية و ثبات مع عالم الشهادة و عالم الأسباب , و هو اختلال في فهم الإيمان يصور العلم تحدياً للإيمان و مناقضاً له , و هو اختلال يصور الإيمان بديلاً عن عالم الأسباب , وهو اختلال يصور العلم بالأسباب إستغناءً عن خالق الأسباب . و هو اختلال يصور التوكل و الإيمان بالقدر مناقضاً للأخذ بالأسباب .

و التصور الإسلامي للإيمان يضعنا بشكل مباشر أمام تفريق واجب بين عالم الغيب و عالم الشهادة. فلكل من عالم الغيب و عالم الشهادة خصائصه و منطقه و قوانينه . و لابد للإنسان من فهم تلك الخصائص و المنطق و القوانين ليتعامل مع عالم الغيب بما يحقق مقاصد ما أطلعنا الله عليه من ذلك العالم , و ليتعامل مع عالم الشهادة بما يحقق امكانيات التسخير فتتأصل الحياة الطيبة و يرتفع العنت و الفساد .

و بين عالم الغيب و عالم الشهادة تواصل و علاقة , فالحياة الطيبة في هذه الدنيا لا تتحقق إذا تنكر الإنسان لفطرته و أشواقه و تطلعاته الروحية و انحصر في مادية جافة صارمة . و في ذات الوقت لا تتحقق الحياة الطيبة إذا انساق البشر وراء أوهام و تخرصات عن عالم الغيب لا تزيد حياتهم إلا عسراً و ضيقاً و مشقة . و الغيب الذي نتحدث عنه هو ما يتعلق بأحوال العوالم التي تتجاوز العالم المادي و الواقع الإنساني . أما أحوال الكون المادي و تغيراته , و أحوال البشر في هذه الحياة الدنيا سواء في الماضي البعيد أو في المستقبل المنتظر أو في أمكنة بعيدة لا تصل إليها حواسنا بالكشف و المعاينة المباشرة فهي من الغيب كذلك, و لكنه غيب إنساني يخضع في طبيعته و قوانينه إلى ما يعهده الناس في أمور دنياهم و تحجبهم عنه حجب الزمان و المكان التي قد تنكشف بتطوير الوسائل و الأدوات أو بالرواية الصادقـة المنضبطة بما أسماه ابن خلدون  " طبائع العمران " و التي تكشف زيف الأخبار و الروايات عند خروجها عن مألوف العادات و سنن حركاتها .

فعالم الغيب المتجاوز للواقع الإنساني – و هو ما يمكن تسميته بما وراء الطبيعة – له خصائص و منطق و قوانين :

و أول خصائص عالم الغيب أنه لا يعلم حقيقته إلا الله و لا مطمع للبشر أن يعلموا من حقيقته شيئاً إلا رموزاً و تقريبات عبر استعارات و مجازات أراد الله سبحانه أن يطلع عباده عليها لما يعلمه من صلاحهم و استقامة قلوبهم و عقولهم بمعرفتها و الإنضباط بلوازمها و مقتضياتها .

و ثانية خصائص عالم الغيب أنه مختلف في طبيعته و قوانينه و ماهيته عن عالم الشهادة المادي الحسي . فالله سبحانه و تعالى في ذاته الشريفة غيب لا مطمع للإنسان في معرفة حقيقته إلا ما أطلعنا الله سبحانه عليه من الأسماء و الصفات لنتأدب بلوازمها و مقتضياتها . و هو سبحانه أحدٌ ( ليس كمثله شيء ) تقدّس أن يحيط به علم أو تصور أو خيال , و كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك. و قد أجمع السلف و الخلف من علماء أمة محمد صلى الله عليه و سلم سواء منهم من قال بالتفويض أو بالتأويل أن المراد من صفات الله سبحانه المذكورة في القرآن الكريم كالوجه و اليد و العين و غيرها , ليس هو – على التحقيق –  ما وضعت له الألفاظ في أصل اللغة للدلالة على الجارحة أو الجسم أو الجهة أو غير ذلك . 

و القرآن الكريم يحدثـنا عن يوم القيامـة و يشيـر إليه بقوله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض و السموات ) وتبديل الأرض والسماوات يوم القيامة يكون ( كما يقرر المفسرون ) بتغيير الأوصاف التي كانت لها وإبطال النُظم المعروفة فيها في الحياة الدنيا . و كذلك يـخـبـرنا القرآن الكريم عن نـعـيـم أهل الجنة بقوله    ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) فإن ما تدركه العقول ينتهي إلى ما تدركه الأبصار من المرئيات، وما تدركه الأسماع من الأصوات ، وإلى ما تبلغ إليه المتخيلات من هيئات يركِّبها الخيال من مجموع ما يعهده من المرئيات والمسمُوعات ، فكل ذلك قليل في جانب ما أعدّ للصالحين في الجنة من هذه الموصوفات و التي تتجاوز وصف الواصفين , لأن منتهى الصفة محصور فيما تنتهي إليه دلالات اللغات مما يخطر على قلوب البشر . فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنة : " فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت  ولا خطر على قلب بشر ". فكل محاولة بشرية لفهم عالم الغيب بمقياس إنساني أو التعبير عنه بمنطق حرفي بشري ستنتهي لا محالة إلى الخرافة التي تورطت فيها الوثنيات الجاهلية و مبالغات و غلو أتباع الديانات .

و الحديث عن قضايا من عالم الغيب مثل الروح و الموت و عذاب القبر و البعث و النشور و الصراط و الميزان و غير ذلك مما يقع تحت صنف الغيب الذي لا يحيط الإدراك البشري بكنهه و حقيقته , لا يمكن أن ينقل إليه إلا عبر استعارات و مجازات لا يقف المؤمن عند حروفها بل يتجاوز ذلك إلى لوازمها و مقتضياتها في قلبه و عقله و جوارحه . سأل النبي صلى الله عليه وسلم جاريةً : أين الله ؟ فأشارت إلى السماء  فقال هي مؤمنة . و قد علق الإمام الشاطبي على ذلك بقوله : كانت الجارية من قوم يعبدون الأصنام فلما أشارت أن الله في السماء فذلك يعني أنها تؤمن بإله متعالٍ ليس من نوع الأصنام التي يعبدها قومها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هي مؤمنة . و قد أخرج ابن ماجة عن وكيع بن حدس ، عن عمه أبي رزين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِـيَـرِه " قال : قلت : يا رسول الله  أو يضحك الرب ، قال : " نعم " ، قلت : لن نعدم من رب يضحك خيرا .

فعندما يتورط المؤمن في الفهم الحرفي و يستعمل منطق عالم الشهادة عند تعامله مع قضايا من عالم الغيب, ينتهي إلى تفكير خرافي يتجاهل المقاصد التربوية للإيمان بالغيب التي توجه الإنسان فلا تقوم حواجز الحس دون الاتصال بين روحه والقوة الكبرى التي صدرت عنها، وصدر عنها هذا الوجود , ولا تقوم حواجز الحس بين روحه وسائر ما وراء الحس من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات .

و التفسير الخرافي للإيمان يستدعي تفسيرات من عالم الشهادة ليشرح قضايا من عالم الروح و الغيب و غالباً ما يكون ذلك باستعمال مصطلحات علمية و رموز تكنولوجية لها في قلوب العوام سلطان و هيلمان و هي إلى العلم الزائف أقرب . و تنتشر تأويلات من هذا القبيل عبر صفحات الإنترنت هذه الأيام حيث تغيب المصداقية و المرجعية و التوثيق . فهل سمعت بأن العلم قد اكتشف ! ! أن الصلاة تريح الإنسان من التوتر و الإجهاد و ذلك لأنه حين يضع جبهته على الأرض باتجاه القبلة تنطلق أشعاعات خاصة عبر الأرض لتفرغ شحنات التوتر التي تزعج الإنسان , و لا أدري إن كان هناك دور للوضوء و النية في تفريغ الشحنات  ؟   و هل سمعت بأن الإستغفار يريح أعصاب الإنسان لينام نوماً مريحاً لأنه حين يتلفظ بحرف التاء في الإستغفار عند النوم يضغط اللسان على سقف تجويف الفم وذلك يحرض الغدة النخامية لتطلق الهرمونات المهدئة ! و هل سمعت بأن نبي الله يعقوب ارتد بصيراً لأن العلم أثبت أن عرق الإنسان يحوي مادة خاصة تفيد في معالجة العمى و هذا ما حواه قميص يوسف . و كأن القميص و صل بعد السفر الطويل و هو يقطر من عرق يوسف ! و قد سمعت مرة أحد الخطباء يشرح و يستفيض في أهمية ضبط حركات أعضاء الجسم في الصلاة و توجيه الأصابع باتجاه القبلة و تأثير ذلك على اعتدال مزاج الإنسان و صحته و سلامة أعضاء جسمه حتى أعلن أن من يداوم على ذلك لا يجد حاجة لإستعمال ( الفياغرا ) . إنه التفسير الخرافي للإيمان .

و هنا لا بد من التنبيه إلى أن استدعاء شهادات و تفسيرات من عالم الشهادة أمر سائغ و مطلوب إذا كان في إطار قوله تعالى " سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " , مثل شهادات الكشوف العلمية على قضايا أشار إليها القرآن مجملةً مما لم يكن معروفاً في عصر التنزيل . أما أن تستدعى تفسيرات عالم الشهادة لتغيير طبيعة المعجزات و الروحانيات لتظهر و كأنها ظواهر تحكمها قوانين عالم الشهادة و تجليات عالم الأسباب المادية , فهذا هو الأمر الخرافي المرفوض .

و تزخر بعض كتب الفقه بتهديدات للإصابة بأمراض و أدواء مرعبة نتيجة التورط في مخالفة بعض الآداب أو المندوبات . و بالطبع ليس هناك دراسات أو ملاحظات تثبت اطراد هذه الإصابات بهذه الأمراض سوى التألي على الله بإقحام عالم الغيب في قضايا عالم الشهادة على طريقة التفسير الخرافي للإيمان .

و عندما يتناول الحديث أخبار الأولياء و الأصفياء فهناك تضيع الحدود بين عالم الغيب و عالم الشهادة و تضيع صرامة عالم الأسباب و ترى الإدعاء بامتلاك التأثير في عالم الغيب و خرق عالم الأسباب بما لم يسمع بمثله لملك مقرب و لا نبي مرسل . إنه التفسير الخرافي للإيمان .

و من تجليات التفسير الخرافي للإيمان المزاجية و الإنتقائية في التطبيق . فترى من يهتم بالعبادات و الشعائر و الأذكار و الأوراد و لا تكاد تجد لهذه العبادة اثرها في التزكية استقامةً في السلوك أو تورعاً عن ظلم الناس و أكل حقوقهم . و كأن هؤلاء لم يعلموا أنه كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع و العطش, و كم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب و النصب , و أنه من تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد من الله إلا بعداً , و أنه يغفر للشهيد كل شيء إلا الدّين . فرعاية حقوق العباد و السعي في نفعهم و البعد عن ظلمهم, و تزكية النفس عن الطمع فيما ايدي الناس, هو معيار الصلاح الذي يتقبل الله أهله و يجزيهم بفضله. حيث يكون الخرافيون محبوسين بمظالمهم ليستوفي الناس حقوقهم , و يلقوا جزاء ما أحدثوا بسلوكهم من فتنة و صد عن دين الله .

  و من أوضح تجليات التفسير الخرافي للإيمان تشويه معنى الإستخارة و جعلها بصورتها التي تشابه الإستقسام بالأزلام بديلاً عن الجهد الواجب في التحري للصواب و استشارة أهل الرأي و الخبرة عند القيام بأي عمل . فالإستخارة الواردة عن النبي صلى الله عليه و سلم هي دعاء يلتجأ العبد به إلى مولاه بعد أن بذل الجهد و استفرغ امكانيات معرفة الصواب أو فرص النجاح فيما ينوي أن يعمله و وصل في ذلك إلى قرار , يدعو متبرئاً من الحول و القوة و يقول يارب هذا مبلغ علمي فإن كتبت لي النجاح و التوفيق فهو فضلك و عطاؤك و توفيقك , و إن لم يتيسر هذا الأمر فلن تجد مني إلا الرضا بما قسمت و قدرت فلا اعتراض و لا سخط . فالإستخارة الواردة هي ابتهال للبراءة من العجب و الكبر عند النجاح و من السخط و القنوط و الإحباط عند الفشل , فأين هذا من التردد في اتخاذ القرار و التقصير في السؤال و البحث و الإستشارة , ثمّ  بناء القرار على منام أو انشراح صدر ينقدح عند فتح المصحف و الإستبشار بما يظهر من ألفاظ يسر أو وصف نعيم ؟ إنه التفسير الخرافي للإيمان .

أما عالم الشهادة فهو عالم مادي تتواصل معه الحواس بالمعاينة و الفحص و الإختبار . و قد منح اللهُ الإنسان من المواهب و الإمكانيات و سلطه على الكائنات في السماء و الأرض ليسخّرها و يستفيد منها بقدر ما يبذل من جهد في ملاحظة أسرار خلقها و اكتشاف سنن حركاتها و وجوه استعمالها . فما اكتشفه الإنسان من أسرار الخلق و آفاق الإرتفاق و الإستخدام هو منحة و توفيق إلهي يهبه الله لمن بذل الجهد و استخدم امكانيات عقله و فكره في ما سلطه الله عليه , بغض النظر عن إيمانه أو كفره . فالوجود المادي – و هو ما يسميه العلماء الوجود الخارجي تمييزاً له عن الوجود الذهني – هو الأصل الذي نرجع إليه بمزيد من الفحص و الملاحظة و الإختبار عندما يتطرق الشك و الإحتمال إلى علمنا و معرفتنا بأي شيء مادي أو ظاهرة كونية .

و التفسير الخرافي للإيمان يتعامل مع عالم الأسباب بمزاجية و انتقائية . و لو رجعنا إلى ما كتبه الإمام الغزالي في كتاب التوكل من " إحياء علوم الدين "  لوجدنا ذكراً مطولاً للخرافيين الذين يظنون أن بين الأخذ بالأسباب و بين التوكل مناقضة و مباينة . و قد بين الإمام الغزالي أنه لا معنى و لا وجود للتوكل إذا عدمت الأسباب فقرر القاعدة المهمة أن الأسباب هي محل التوكل ليقطع الطريق على الخرافيين الذين يظنون أن ما يتألون على الله به من قدرتهم على انجاز الكرامات و المعجزات يعفيهم مما تعبد الله به عباده من الخضوع للأسباب و السنن التي لا تتبدل و لا تتحول . " و غرّهم في دينهم ما كانوا يفترون "

و التفسير الخرافي للإيمان يحاول القفز فوق الجهد اللازم لإمكانية التعلم و الملاحظة و الإختبار و الكشف , بادعاء سند من النصوص لما فهمه و علمه بعض الأقدمين عن بعض ظواهر الكون و تجلياته المادية . فتستدعى النصوص بتأويلات حرفية و إقحـامات لا تــنسجم مع المـنـهجية السائـغـة في التعامل مع عالم الشهادة . أو يستخدمون سلاح الإرهاب الفكري بالتكفير و الخروج من الملة لمن صدّق بعض ما وصل إليه العلم المادي من نتائج و براهين .

و قد قرر العلماء – الذين لا ينتمون إلى التفسير الخرافي للإيمان – أنه لا يقبل تأويل لآية في كتاب الله يتعارض مع السنن الكونية الثابتة المستقرة أو الحقائق الوجودية التي لا يسع إنكارها ( و هو ما يسمونه مجاري العادات ) . وقد ضرب الإمام الشاطبي مثالاً عن هذه القضية قوله تعالى " و لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً " فقال إنه لا يستقيم  فهم الآية على أنها خبر لأن الواقع المشاهد لا يصدق ذلك , إذ كثيراً ما يتسلط الكافرون على المؤمنين بالأسر و القتل و غير ذلك , فلا بد من صرف المعنى من الخبر إلى الإنشاء , أي لا تجعلوا للكافرين عليكم سبيلاً . و قرر العلماء كذلك أنه لا تقبل رواية عن الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم في شأن من قضايا عالم الشهادة أو الأمور المادية إذا تعارضت الرواية مع السنن الكونية الثابتة أو الحقائق الوجودية المستقرة . و تعد هذه القاعدة من أهم الضوابط المنهجية لنقد متون الحديث النبوي الشريف .

كنت في زيارة لإحدى البلاد العربية فأشار عليّ صاحبي أن أحضر صلاة الجمعة في أكبر مساجد المدينة حيث يخطب مفتي البلاد . كان موضوع الخطبة تعليقاً على أنباء انتشرت في وسائل الإعلام عن موعد خسوف متوقع للقمر خلال بضعة أيام . و قرر الخطيب أن كل من يدعي معرفة بوقت الخسوف أو الكسوف فقد كفر بما أنزل الله على محمد لأن الرسول صلى الله عليه و سلم قال أن الشمس و القمر آيتان من آيات الله.  و أطال الخطيب في أهمية التمسك بالكتاب و السنة و خطورة الإنسياق وراء الأفكار الضالة الهدامة . و بعد الصلاة قلت لصاحبي : إنه التفسير الخرافي للإيمان . ما اشد عجبي من هذا الخطيب و دعواه أن حساب وقت الخسوف أو الكسوف أمر يتعارض مع الإيمان و كأنه لم يقرأ ما كـتـبـه الإمام الغزالي عن هذا الموضوع منذ قرابة ألف عام في كتابه " المنقذ من الضلال " حيث قال :

 إعلم أن علوم الفلاسفة ستة أقسام : رياضية ، ومنطقية ، وطبيعية ، وإلهية ، وسياسية ، وخلقية . أما الرياضية: فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العالم ، وليس يتعلق شيء منها بالأمور الدينية نفياً وإثباتاً ، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها. وقد تولدت منها آفتان:  الأولى : ان من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها ، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة ، ويحسب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم. ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتـهاونـهم بالشرع ما تناولته الألسن , فيكفر بالتقليد المحض . . . . . .

الآفة الثانية: نشأت من صديق للإسلام جاهل ، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم ,  فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها ، حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف ، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع . فلما قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع ، لم يشك في برهأنه ، ولكن اعتقد أن الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع ، فيزداد للفلسفة حبّاً وللإسلام بغضاً. ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم ، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات ، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية. . . . . اه

فلو قارن المرء بين عدد المعلومات البرهانية التي يتحدث عنها الإمام الغزالي في عصره و بين المعلومات البرهانية في هذا العصر - و هي لا شك تزيد آلاف المرات عنها في عصر الغزالي - لعلم أن الجناية على الدين التي يتحدث عنها الإمام الغزالي هي في هذا العصر جريمة و بطر للحق و صد عن سبيل الله و فتنة للقوم الظالمين . إنه التفسير الخرافي للإيمان .  

و قد يكون من أنجع ما يحمي المؤمن من الوقوع في التفسير الخرافي للإيمان أن يتذكر أن الله سبحانه و تعالى أنزل الشرائع لحكم و معانٍ تتعلق بسعادة الإنسان في الدنيا و الآخرة , ليحيا بالإيمان حياةً طيبة لا عسر فيها و لا ضنك و لا شقاء . فلكل تشريع مقصد عملي يرتبط بتأسيس و نشر الحياة الطيبة , و لكل غيب أطلعنا الله عليه مقصد عملي كذلك يزكو به القلب و يستقيم العقل و تخضع الجوارح . و المؤمن الموفق هو الذي  يتعامل مع عالم الشهادة بمنطقه الصارم و يرى أن هذا هو مما تعبّـد الله عباده به , و يحرص على زيادة معرفته بقوانين الكون و سنن و خصائص الأشياء التي يتعامل معها . و يطلب كذلك العلم بالشريعة باحثاً عن  المعاني و المقاصد , فليست الشريعة أشكال و طقوس و مراسم و آصار و أغلال , بل هي الحكم و المصالح و المقاصد التي تزكو بها النفس و تزكو الأرض و تستقر الحياة الطيبة . فالخرافة تتسلل إلى التدين عند غياب العلم و انتشار الجهل بالمعاني و المقاصد و الحكم فتفسد العلاقة مع عالم الشهادة و يعم الفساد .

Sunday, 23 March 2014

من تشبه بقوم فهو منهم


من تــشــبّـه بقوم فهو منهم

 

في خطبة الجمعة , تحدث الخطيب عن بر الوالدين و البر بالأمهات و الإحسان إليهن , و كانت خطبة رائعة بكل المقاييس , بفصاحة و شاعرية لغتها و طريقة معالجة الموضوع برصانة و هدوء , و ما أبداه الخطيب جزاه الله خيراً من تفاعل مع الموضوع فقد كان يغالب دمعات تفيض من عينيه و تسبقه أحياناً فيتهدج صوته فيثير كوامن أشجان و أشواق و ذكريات رمز العطف و الإيثار و العطاء .

كان يوم الجمعة يصادف الحادي و العشرين من شهر آذار و هو يوم خصصته كثير من الدول و الشعوب لتكريم الأم و الأمومة . لم يشأ خطيبنا جزاه الله خيراً أن يترك تلك المصادفة دون تنبيه و تعليق فختم خطبته بالتنبيه على أن الإشادة بفضل الأم و برها و الإحسان إليها لا علاقة له بما يفعل الكفار من تخصيص يوم لتكريم الأم , فمن تشبه بقوم فهو منهم , و بالنسبة للمسلم فالسنة كلها هي موسم تكريم و بر و إحسان ..

بصراحة , لقد أفسد علي التعليق الأخير سروري بالخطبة و انتقلت أفكاري إلى سياق آخر و شعرت أن موضوع التشبه بالكفار لا بد له من توضيح و تحرير .

خرجت من المسجد و رأيت ازدحام السيارات التي تقف بشكل اعتباطي على الأرصفة و في منتصف الطريق . و رأيت الباعة ينشرون بضاعتهم على الرصيف عند مدخل المسجد فيزيدون من الزحام و الفوضى . و رأيت الأوساخ و القمامة تنتشر بشكل يند عن الذوق و الإحساس بالنظافة , فقلت في نفسي هل يظن هؤلاء أنهم يتشبهون بالكفار لو أنهم اهتموا بترتيب أمورهم و تنظيم السيارات و المرور و تجميع القمامة والاعتناء بالنظافة ؟  نظرت حولي فلفت نظري لوحات و أسماء المحلات مكتوبة بالعربية بما لايفهمه أحد من قحطان أو عدنان أو من العرب العاربة أو المستعربة – كريسبي ميل !  سوبر ماركت !  كانتكي تشيكن !  باسكين روبنز ! هارديز !  لارانشا ! سيتي ماكس ! . فقلت في نفسي : سبحان الله , أي الأمرين أولى بوصفه تشبهاً بالكفار , أهذه الرطانة بلغة العلوج و التي تنم عن استخذاء و انبهار و خضوع و انبطاح ثقافي و حضاري , أم موضوع تكريم الأمومة و الأمهات و الذي شرحه خطيبنا بما يدل بلا ريب أنه من المعاني الإنسانية المشتركة ؟

إن التواصل و الأخذ و العطاء بين الحضارات و الأمم و الشعوب أمر لا بد منه , و العزلة المطلقة غير ممكنة و غير مفيدة على الإطلاق , فما الضابط الذي يحكم أن شيئاً من هذا التواصل يندرج تحت عنوان التشبه بالكفار ؟

لا بد من التمييز في ثقافة كل شعب من الشعوب بين أمرين : أولهما الأمور الإنسانية الفطرية المشتركة و التي تميز بني آدم كمخلوق مكرم متميز بالعقل و الإدراك و ما ينتج عن ذلك من حكمة و ابداعات علمية أو اختراعات لوسائل و أدوات أو طرق تنظيم و إدارة . و الأمر الثاني من ثقافة الشعوب يتعلق بخصوصياتها اللغوية و العرقية أو التي تتعلق برؤيتها الكونية و ما ينعكس من تلك الرؤية على سياساتها و فنونها و اسلوب و نمط حياتها .

فالقسم الأول من ثقافة الشعوب لا يتعلق بإيمان أو كفر لأنه معانٍ انسانية مشتركة تتبادلها الشعوب دون حرج . و هي الحكمة – ضالة المؤمن – التي نطلبها حيث وجدناها . و هي الأمر الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بما أشار عليه سلمان يوم الخندق , فالوسائل الناتجة عن الحكمة العملية لا هوية لها . و هي الأمر الذي جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعتمد نظام الديوان الفارسي في تنظيم حركة الجهاد . و ما تواضع عليه الناس اليوم من اعتماد يوم للأم و يوم للطفل و آخر للأرض و غير ذلك , هي مناسبات للتواصل عبر المشترك الإنساني لتأكيد المبادئ و تقويم السياسات و تقييم الأداء و الإنجاز. 

أما القسم الثاني المتعلق بما يلزم عن الرؤية الكونية و خاصة إذا كانت تلك الرؤية هي التي سوغت وصف الكفر لتلك المجتمعات . فالتشبه بما سوّغ إطلاق وصف الكفر على مجتمع من المجتمعات إقرار ضمني بالرضا و القبول بنموذج حياة ينطوي على الفساد في التوجه . فالرؤية الكونية التي تضع الإنسان في مركز الكون و تبرر الإسراف و التبذير و تسعى لتعظيم الإستهلاك و استنزاف خيرات الأرض , و تسعى لتعظيم  المتعة و تجعلها هدف الحياة الإنسانية , لا شك أنها رؤية كونية جاحدة و التبني أو التشبه بما هو من مقتضياتها ينطوي على خطر كبير . و الرؤية الكونية التي تتبنى منطقاً داروينياً يبرر البقاء للأشرس و لو كان ذلك على حساب قتل الأبرياء و نشر الفساد في الحرث و النسل هي رؤية تضع الإنسان في مقام الألوهية و لا ينتج عنها إلا التكبر و العسف و الظلم . و هنا يكمن الخطر عندما يتبنى المرء الخصوصيات الثقافية – من لغة أو فنون أو نمط حياة – لمجتمع يتخذ من تلك الرؤية العنصرية دينه  و ديدنه بما يتضمنه هذا التبني من إقرار ضمني بالرؤية الكونية المستعلية الظالمة .

فالتشبه بالكفار الذي يجب على المؤمن الحذر منه هو التشبه الذي ينبع من الإقرار برؤيتهم الكونية و الإستخذاء لغلبتهم و سيطرتهم و الشعور بالدونية و الهوان .

و العاقل هو الذي يسعى للكشف عن نواحٍ من الثقافة الإنسانية المشتركة يحتفل بها ليقيم التواصل الإنساني على أسس من التنافس على الخير " فاستبقوا الخيرات " و على أسس تنمي قاعدة التعارف على حساب الأنانيات العرقية و الخصوصيات الثقافية . روى الإمام مسلم عن المستورد الفهري ، أنه قال لعمرو بن العاص : " تقوم الساعة والروم أكثر الناس " ، فقال عمرو : انظر ما تقول قال : أقول لك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمرو : لئن قلت ذاك ، إن فيهم لخصالا أربعا : إنهم لأحلم الناس عند فتنة ، وأسرعهم كرة بعد فرة ، وخيرهم لمسكين وفقير وضعيف ، والرابعة حسنة جميلة : أمنعهم من ظلم الملوك .

فالعاقل هو الذي يستطيع أن يجعل من كل أمر إنساني مشترك " حلف الفضول " الذي يساهم في ردم الفجوات و إقامة العلاقات المتوازنة التي تعترف بالفضل و السبق لأهله .

Saturday, 15 March 2014

و لقد كرمنا بني آدم


ولـقـد كرّمـنـا بـنـي آدم

خطاب بناء المشترك الإنساني

 

ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا

احتفل المفسرون بذكر أنواع و اصناف من التكريم و التفضيل . فذكروا أن الله سبحانه و تعالى كرّم النوع البشري بالعقل، والنطق، والتمييز، والخط ، والصورة الحسنة والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد, و بتسليطهم على ما في السماء و الأرض و البحار وتسخيرها لهم . و لكن المفسرين لم يتطرقوا إلى ذكر مقتضيات هذا الإعلان الإلهي و ما يجب أن يعكسه هذا الإعلان على فهم الإنسان لنفسه و وعيه لإمكانياته و التزاماته تجاه نفسه و بني جنسه قبل أن يتميزوا بأي وصف آخر غير كونهم من سلالة الجنس الآدمي المكرّم.

و أول مقتضيات التكريم بالعقل و التفضيل بالإدراك و الفهم , هو إدراك الرؤية الكونية الشاملة التي تفسر الوجود و تضع الإنسان في موقعه بعيداً عن العبثية و العدمية أو الإحالة إلى الصدفة العمياء . فعندما يواجه الإنسان عجائب الملكوت يلح عليه سؤال البداية و الأصل و لا يجد بداً من الإعتراف بذات متعالية عن هذا الكون أوجدته و تقوم عليه بالرعاية و الحفظ و التدبير . سأل النبي صلى الله عليه وسلم جاريةً : أين الله ؟ فأشارت إلى السماء . فقال هي مؤمنة . و قد علق الإمام الشاطبي على ذلك بقوله : كانت الجارية من قوم يعبدون الأصنام فلما أشارت أن الله في السماء فذلك يعني أنها تؤمن بإله متعالٍ ليس من نوع الأصنام التي يعبدها قومها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هي مؤمنة . إن هذا الإدراك الفطري البسيط هو المشترك الإنساني الذي تأتي الشرائع بالوحي الإلهي لتستـثمره و تنقذ الإنسان من عبوديات مذلة للشجر و الحجر أو للرغبات و الأهواء , أو عبوديته لغيره من بني جنسه من الطواغيت المستكبرين .

و من مقتضيات التكريم الإلهي و التفضيل الرباني أن يعمل الإنسان على استثمار خصوصية العقل و العلم و الفهم - و التي تفرد بها الجنس البشري - في اكتشاف امكانيات التسخير و سنن و آليات الإستعمال و الإرتفاق , و نشر العلم و المعرفة العملية التي تزيد الحياة يسراً و بهجة و ترفع عنها العسر و المشقة . و قد ذكر الإمام الشاطبي في الموافقات أن الكريم – سبحانه – إذا امتن على عباده بشيء من النعم فإنه يحب منهم أن يستعملوها و يتنعموا بها , فإن الإعراض عن النعم و إهمالها و عدم استعمالها و الإنتفاع بها ليس من مقتضيات الشكر و الشعور بالمنة و الفضل , بل هو إلى الجحود و كفر النعمة أقرب . فالجهل و الإعراض عن الإهتمام بالمعرفة العملية يعرّض البشر للمهانة و الشقاء و يجعل حياتهم شاقة عسيرة مما يتعارض مع ما أراده الله سبحانه لبني آدم من التكريم و التفضيل .

وعندما يعي الإنسان أنه مخلوق مكرم يدرك مسؤوليته عن تنزيه نفسه عن كل ما يتعارض مع التكريم و التفضيل .  فالبعد عن النجاسات و القاذورات و العناية بالنظافة و الطهارة هي من أولى مقتضيات الشعور بالكرامة . فإشاعة ثقافة النظافة و التطهير و التجميل تؤصّل شعور الكرامة الإنسانية . و من الملفت للنظر أن الأمر القرآني بأخذ الزينة في أماكن العبادة توجه بالخطاب إلى بني آدم و ليس إلى الذين آمنوا و هم الأولى بالخطاب في هذا المقام : يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد و كلوا و اشربوا و لا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين . و في هذا الخطاب إشارة إلى بناء المشترك الإنساني الذي يتصل بالنسب الآدمي و أصالة التكريم و الكرامة في تكوينه .

و البعد عن التعري و كشف السوءات هو من مقتضيات التكريم الإلهي و هو فطرة إنسانية أدركها الإنسان في حضاراته و ثقافاته المختلفة . و لذلك جاء الخطاب بالإمتنان الإلهي بنعمة خلق اللباس و الأثاث موجهاً إلى بني آدم لإشعارهم أن التوجه إلى الستر و الحياء من كشف السوءات فطرة و مشترك إنساني يحقق التكريم و التفضيل الذي قضى الله به لهذا المخلوق البشري من ذرية آدم . " يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم و ريشاً و لباس التقوى ذلك خير " . و قد علم الله سبحانه و تعالى أن التعري و كشف السوءات هو من أشد أسلحة الشيطان فتكاً بفطرة الإنسان و اعتدال مزاجه و استقرار نظامه الإجتماعي , فجاء التحذير من هذه الفتنة الشيطانية كذلك موجَهاً لبني آدم على اختلاف ثقافاتهم و حضاراتهم لإعطاء التأكيد على المشترك الإنساني الذي يضمن الكرامة الإنسانية  و يعززها .    " يا بني آدم لا يفننكم الشيطان كما أخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما " .

و البعد عن كل ما يلحق المهانة و التحقير و الإزدراء بالإنسان هو من مقتضيات التكريم الإلهي و الذي يجب أن يكون المشترك الإنساني لكل من ينتسب إلى النسب الآدمي مهما اختلفت عوامل العداوة و أسباب الصراع . و هنا لا بد من الإنتباه إلى المنزلق الخطير الذي قد يقع به المؤمنون عندما يشعرون أن ما يتورط به العصاة و المذنبون يبرر إهانتهم و احتقارهم . مر ابن مسعود على رجل قد اقترف ذنباً فكان الناس يسبونه و يلعنونه . فقال لا تسبوا أخاكم و احمدوا الله الذي عافاكم . فقالوا أفلا نبغضه ؟ قال لا , إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي . و قد بين الإمام الغزالي في كتاب الكبر من " الإحياء " كيف أنه لا يجوز التكبر على الفاسق و المبتدع و الكافر فقال : فإن قلت فكيف يتواضع للفاسق المتظاهر بالفسق وللمبتدع وكيف يرى نفسه دونهم وهو عالم عابد وكيف يجهل فضل العلم والعبادة عند الله تعالى وكيف يغنيه أن يخطر بباله خطر العلم وهو يعلم أن خطر الفاسق والمبتدع أكثر.  فاعلم أن ذلك إنما يمكن بالتفكر في خطر الخاتمة بل لو نظر إلى كافر لم يمكنه أن يتكبر عليه إذ يتصور أن يسلم الكافر فيختم له بالإيمان ويضل هذا العالم فيختم له بالكفر. والكبير من هو كبير عند الله في الآخرة والكلب والخنزير أعلى رتبة ممن هو عند الله من أهل النار وهو لا يدري ذلك. . . . . . .

و من مقتضيات التكريم و التفضيل اقرار الإختلاف و التباين في اللغات و الثقافات و لون البشرة و اعتبار هذه الإختلافات مصدر غنى يجمّل الحياة و يلونها و يزيدها بهجة بالتعارف و التواصل في إطار التعاون على الخير و التنافس فيه . " و من آياته خلق السموات و الأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم " , " و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة و لكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات "  . فالإعتراف بالإختلافات التي لا اختيار للإنسان فيها و الحذر من اتخاذها أساساً للتمايز و التعالي يؤصل الشعور بالمشترك الإنساني و استشعار الكرامة الإنسانية . و قد أشار العلامة ابن عاشور رحمه الله في  " مقاصد الشريعة الإسلامية "  أن خصوصيات الثقافة و العادات و الأعراف لشعـب من الشعـوب لا يمكن فرضـها على الشعوب الأخرى ( بما هي أعراف و عادات ) و أن من مقاصد الشريعة و خصائصها أنها تعتبر و تبني على المشترك الإنساني المتمثل في المعاني و المصالح و المنافع المعقولة التي يدركها البشر بعقولهم على اختلاف و تنوع بيئاتهم . فالإعتراف بالفسحة الخصوصية التي يتحرك ضمنها البشر بحرية دون إقصاء أو تمييز , هو من وجوه التكريم الذي أبرزته الشريعة التي ترفض الإكراه و الإستعلاء الثقافي و محاولة فرض و تعميم ثقافة و عادات قوم على غيرهم من الأقوام  .

و من مقتضيات التكريم الإلهي و التفضيل الرباني لبني آدم أن يستشعروا هذا التكريم و التفضيل عندما يختارون مجالات تنافسهم و توجهات نشاطاتهم . فالله سبحانه يحب معالي الأمور و يكره سفاسفها . و قد خلق الله في البشر غرائز و حاجات يشاركون بها غيرهم من المخلوقات لوظيفة محددة و غرض مخصوص لحفظ النوع و حفظ التوازن في دورة الحياة . فعندما يتجاوز البشر في اهتمامهم بما يتصل بغرائزهم و ما يشاركون به الحيوانات و ذلك بشكل يتجاوز الغرض و الوظيفة لتلك الغرائز , يقعون في السفاهة و التفاهة التي تتعارض مع مقتضيات التكريم و التفضيل . فالتأنق و الإهتمام بتنوع أصناف الطعام يزيد الحياة جمالاً و متعة . فإذا خرج هذا الإهتمام عن الإعتدال بالإسراف و التبذير أو عن مقصد الغذاء إلى مجرد المتعة و التلذذ , فأية سفاهة و تفاهة يصل إليها الإنسان عندما يصل إلى ما وصل إليه الرومان في غابر الزمان عندما كانوا يبنون في أماكن طعامهم أوعية خاصة يتقيؤون فيها عند الشعور بالإمتلاء من الطعام ليعودوا للإستمتاع و التلذذ بمزيد من الطعام و الشراب ؟

و كذلك , خلق الله سبحانه بين الذكر و الأنثى مشاعر المودة و الرحمة تزيد الحياة بهجة و أنساً و متعة , و ذلك لوظيفة و غرض في بناء لحمة اجتماعية و علاقات نسب و صهر لينشأ المجتمع الذي يحقق حاجات الإنسان المتنوعة , و يستمر بقاء النوع بتوفير البيئة التي ترعى الإنسان في سنوات صغره الطويلة . فأية سفاهة و أية تفاهة يقع فيها الإنسان بما يخرجه عن الكرامة التي ارادها الله له عندما يبتغي اللذة و المتعة الجنسية و يسعى إلى تعظيمها مفصولة و مقطوعة عن أية وظيفة أو حاجات اجتماعية في كيان الإنسان؟ إن نشر ثقافة التفاهة و السفاهة و التأكيد على نشر ثقافة الإستهلاك و السرف و الترف و تعظيم المتعة و اللذة المتمركزة حول الذات , هو مسخ للإنسان يتعارض مع مقتضيات التكريم و التفضيل , و اختزال للإنسان إلى جانبه الحسي المادي الذي يشارك فيه الحيوان .

فمعالي الأمور التي يحب الله تعالى من الإنسان أن يهتم بها هي الأمور التي يتميز بها الإنسان من روح و عقل و إدراك و علم عندما تتوجه إلى تزكية الحياة باستثمار مجالات التكريم و التفضيل . و لعل مما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن الله سبحانه ما حرّم في شرعه إلا الخبائث التي تتعارض مع التكريم و التفضيل , و ما أباح إلا الطيبات التي تزيد الحياة زكاةً و طيباً و متعة و بعداً عن العسر و المشقة .

إن فهم آفاق التكريم الإلهي و تمثلها و البناء عليها في تربية الأمة و توجيهها , و اعتبار التكريم و التفضيل  مؤهلات تتبعها مسؤوليات , هو الذي يفتح باب الأمل لعلاقات منفتحة و تواصل بعيد عن التشنج و الإستقطاب بين ذرية آدم من قبائل و شعوب , و ذلك عند نشر و تعميم الثقافة الإنسانية المشتركة التي تنبني على الإعلان الإلهي الخالد " و لقد كرمنا بني آدم " .

Saturday, 8 March 2014

النظيف عرفاً طاهر شرعاً


النظيف عرفاً طاهر شرعاً

هناك أمر يتطلب مواجهة صريحة , و هو إنفصام العلاقة بين المفهوم الشرعي للطهارة و بين النظافة في مجتمعات المسلمين . و الناس في هذا الأمر في حرج بين مبالغات و غلو في معنى الطهارة الشرعية و الذي يصل إلى حد الوسوسة , و بين إهمال النظافة و خاصة في المستوى الجماعي أو الفضاء الإجتماعي , بحيث لو قارنا بين المسلمين و غيرهم في مجتمع من المجتمعات فلن يكون المسلمون هم الأنظف .

  و قد عالج الإمام الغزالي في الإحياء موضوع الوسوسة و المبالغة و الغلو في معنى الطهارة الشرعية و جاء بما يرد الناس عن التكلف و العنت في هذه المسألة و أوضح المعيار الشرعي فيما يجب من الطهارة . و لكن الأمر الآخر و هو إنفصام الطهارة عن النظافة فما زال بحاجة إلى بعض المعالجة و خاصة و أن موضوع النظافة قد اختزل ليعني الطهارة - في حدها الأدنى -   من المستقذرات على المستوى الشخصي فقط  أي لما تصح به الصلاة.  فلا بد من دراسة هذا الموضوع فقد أصبحت الطهارة أمراً غير معقول المعنى و أصبح من الممكن أن نطلق وصف الطهارة الشرعية على أشياء فيها من القذارة و عدم اللياقة و المناسبة للبيئة بما يتعارض مع مفهوم الكرامة الإنسانية التي قررها القرآن .

لقد كان من أول ما نزل من القرآن قوله تعالى " و ثيابك فطهر " . فالأمر بتطهير الثياب أو تطهير النفس و الجسم باعتبار المعنى المجازي قبل أن تفرض الصلاة و كل ما يتعلق بها من شروط له دلالة واضحة على صبغة الطهارة و النظافة التي يريد القرآن تأصيلها في هوية الأمة . و الطهور شطر الإيمان و لكن الممارسة العملية للمسلمين لا تدل على اهتمام بالطهارة و النظافة يعكس تلك المكانة للنظافة .  روى البخاري عن النبي صلى الله عليه و سلم : " إن الله جميل يحب الجمال نظيف يحب النظافة فنظّفوا أفنيتكم و لا تشبّهوا باليهود " . فالمسألة تصل في خطورتها إلى ما يقدح في هوية الأمة و صبغتها . و لكن الناظر في حال الأمة لا يرى الإهتمام الواجب بهذا الأمر و خاصة في الفضاء الإجتماعي .

عند مراجعة النصوص و الفتاوى التي تقرر حكم الطهارة في حدها الأدنى – لما تصح به الصلاة – نجد أن هذه النصوص تستند إلى واقع بيئة الصحراء العربية التي لا تتمتع بوفرة في مصادر الماء . فإذا تعلم الإنسان أن يطهر نفسه بالحجارة في بيئة لا يكاد يجد من الماء ما يكفيه للشرب فذلك أمر مفهوم بالإضافة إلى أنه يشكل نقلة حضارية في النظافة لبدوي لم يكن ينظف نفسه بشيء . أما أن تصبح هذه الطريقة هي المعيار المطلق للنظافة في كل البيئات , فأي صد عن سبيل الله و أي جمود عند ظروف صحراء العرب لمن يملك رسالة للعالمين , و خاصة إذا كان يعيش في بيئة يستحم أهلها كل يوم ؟

و قد حملني التفكير في هذا الأمر إلى استقراء فتاوى الفقهاء في التطهير فوصلت إلى صياغة قاعدة  تربط بين النظافة و الطهارة ( التي لا تتعلق بالطهارة التعبدية من تيمم و وضوء و غسل ) و تريح من التفصيلات و التعسفات و هي :            النظيف عرفاً طاهر شرعاً . 
فكل ما لا نستقذره و ننفر منه في عرف البيئة التي نعيش فيها هو طاهر تصح به العبادات.

 إن بين الطهارة الشرعية و النظافة العرفية ترابطاً وثيقاً يمكن أن نلاحظه في ضوء ما يقرره الإمام القرافي في كتاب الفروق , من أنه ليس هناك علة للطهارة , و لكن هناك علة واضحة للنجاسة و هي الإستقذار . و عندما نراجع وسائل و طرق التطهير التي نص عليها الفقهاء مثل الغسل و المسح و الحرق و الإستحالة و الجفاف و غيرها نجد اطراداً في اعتبار النظافة عند إزالة المستقذرات و رفعها أو تغيرها .

إنه لا بد من طرح هذا الموضوع و مراجعة كيفية تعليم الناس مفهوم الطهارة الشرعية ( فيما وراء الطهارات التعبدية من تيمم و وضوء و غسل ) بما يكفل إعادة الإرتباط بين الطهارة و النظافة  ,كلّ في بيئته  و ظروفه . و لا بد من إعادة الوعي للمسلم أنه يمتلك مشروعاً حضارياً يزكي الحياة و يكرم الإنسان معنوياً و مادياً على حد سواء . و لا بد من البيان أن هدف هذه المراجعة الضرورية هو أن يعود إلى وعي المسلمين أنّ المطلوب هو أن يكون المسلم الأنظف و الأنقى و الأطهر في كل بيئة يكون فيها بلا تكلف , و ذلك على المستوى الشخصي و في المجال الإجتماعي على حد سواء

إن هذه القاعدة ( النظيف عرفاً طاهر شرعاً ) تصلح لمعالجة الغلو و التكلف في أمر الطهارة و التطهير و تعالج المشكلة الأخرى من الفصل بين النظافة و الطهارة و خاصة في الفضاء العام ، و ترفع بعض ما يوقع في الحرج . فلا بد من دوام التفكير في وسائل التطهير و التنظيف لإعادة مفهوم الطهارة إلى مقاصده بما يحقق تزكية الحياة و ترقية الأمة .

*

Saturday, 22 February 2014

الإكراه


الإكــــراه

 

من القواعد القرآنية الحاكمة قوله تعالى : ( لا إكراه في الدين , قد تبين الرشد من الغي )

و قد بين العلماء أن الله سبحانه لم يُجرِ أمر الإيمان على الإجبار و القسر و لكن على التمكين و الإختيار . و نحوه قوله تعالى ( و لو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً , أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) . و قد أشار الرازي في تقسيره إلى هذا المعنى بقوله : إنه لم يبق بعد ايضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان و يجبر عليه , و ذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار ابتلاء , إذ في القهر و الإكراه على الدين بطلان معنى الإبتلاء و الإمتحان .

و قال ابن عاشور في تفسيره : و نفي الإكراه خبر في معنى النهي , و المراد نفي أسباب الإكراه في حكم الإسلام . أي لا تكرهوا أحداً على اتباع الإسلام قسراً . و جيء بنفي الجنس لقصد العموم نصاً . و هي دليل على إبطال الإكراه على الدين بسائر انواعه , لأن أمر الإيمان يجري على الإستدلال و التمكين من النظر و الإختيار .

و الأصل أن يتعدى فعل أكره بالحرف ( على ) كما في قوله تعالى ( و لا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) . و في العدول عن حرف (على ) و استعمال الحرف ( في ) إشارة إلى أن الإكراه ليس من طبيعة الدين و لا من طريقته , لأن الدين استسلام و خضوع و التزام طوعي بما أمر الله به أو نهى عنه , فليس من الدين ما يتنافى مع الخضوع الطوعي و الإلتزام الذاتي من الإجبار و القسر و الإكراه و الذي يولد النفاق و التحايل .

فإذا امتنع الإجبار و الإكراه على أصل الدين و هو الإيمان , فامتناعه على ما دون ذلك من الآداب و المندوبات و الفضائل أولى و آكد . و عمل النبي صلى الله عليه و سلم يدل دلالة واضحة على منع الإكراه . فقد ثبت نهيه للأنصار الذين تنصر أو تهود بعض أبنائهم في الجاهلية أن يجبروهم على الإسلام . و لم ينقل عنه صلى الله عليه و سلم أنه أجبر أحداً على شيء من أمر الطاعات و العبادات إلا أن يكون متصرفاً بمقام القاضي في حكوماته بين المتنازعين . و لا أدلّ على التوجه إلى منع الإكراه في أمر الطاعات و العبادات من التعليق القرآني الذي نزل بعد الأمر بترك البيع عند النداء في صلاة الجمعة في حق أولئك الذين انصرفوا عن الصلاة إلى البيع في حضور النبي صلى الله عليه و سلم : ( و إذا رؤوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها و تركوك قائما , قل ما عند الله خير من اللهو و من التجارة و الله خير الرازقين ) . و لم يثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم زاد على ذلك شيئاً من تأديب أو تعزير .

و يبقى هناك حيز من الإجبار و الإكراه لا بد منه  , يفرض بقوة القانون لحماية النظام العام و السلم الإجتماعي .  و لا يكاد يخلو مجتمع إنساني من قوانين أو أعراف تمنع المرء أن يعمل كل ما يحلو له رغم كراهته لذلك لتأمين السلم الإجتماعي و الوفاق الوطني , مثل قوانين تنظيم البناء و تنظيم السير و تنظيم العمل و قوانين السلامة و حماية البيئة و مصادر الثروة الوطنية و غيرها . فينبغي تحديد مجالات الخصوصية و الحرية الشخصية حتى لا يدخل الحرج على بقية أفراد المجتمع . و يجري تحديد تلك المجالات بآليات التشاور مع أهل الخبرة و الإختصاص و توخي المصلحة العامة و رعاية المزاج الثقافي  و استلهام تجارب الشعوب الأخرى , مع التقليل من حيز الإكراه و الإجبار قدر الإمكان و خاصة عندما يتعلق الأمر بالخصوصيات الفردية التي لا يتعدى تأثيرها للآخرين .

و تعتبر الزكاة هي الإستثناء الوحيد الذي ورد فيه الإكراه من شرائع الدين . فالزكاة هي من الوسائل لتحقيق السلم الإجتماعي بتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم للضعفاء و المساكين . و الزكاة كما يقرر الإمام الشافعي فيما نقله عنه الإمام الزنجاني - أن الزكاة مؤونةٌ ماليةٌ وَجَبَت للفقراء على الأغنياء بقرابة الإسلام على سبيل المواساة و معنى العبادة فيها تَبَع .  ( تخريج الفروع على الأصول ص 110 )

و قد أدرك بعض المفسرين أن بين النهي عن الإكراه و الأمر بالقتال تعارض لا بد أن تتوجه إليه الأفهام بالبيان و الشرح و التفصيل . فالتهديد بالقتل و المتضمن في الأمر بالقتال هو غاية الإكراه و القهر . فكيف يجتمع الأمران و ما هو وجه الجمع في هذا التعارض ؟

قال ابن عاشور رحمه الله : فالظاهر أن هذه الآية ( لا إكراه في الدين ) نزلت بعد فتح مكة و استخلاص بلاد العرب . . . . فنسخت حكم القتال على قبول الكافرين الإسلام و دلت على الإقتناع منهم بالدخول تحت سلطان الإسلام و هو المعبّر عنه بالذمة . و وضّحه عمل النبي و ذلك لما خلصت بلاد العرب من الشرك بعد فتح مكة و بعد دخول الناس في دين الله أفواجاً حين جاءت وفود العرب بعد الفتح . فلما تم مراد الله من انقاذ العرب من الشرك و الرجوع بهم إلى ملة إبراهيم , و من تخليص الكعبة من أرجاس المشركين , و من تهيئة طائفة عظيمة لحمل هذا الدين و حماية بيضته , و تبين هدى الإسلام و زال ما كان يحول دون اتباعه من المكابرة و حقق الله سلامة بلاد العرب من الشرك كما وقع في خطبة الوداع " إن الشيطان قد يئس من أن يعبد في بلدكم هذا " . لما تمّ كلّ ذلك أبطل الله القتال على الدين و أبقى القتال على توسيع سلطانه . و لذلك قال ( التوبة 29 ) " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرمون ما حرّم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون " .   و على هذا تكون الآية ( لا إكراه في الدين ) ناسخة لما تقدم من آيات القتال . على أن الآيات النازلة قبلها أو بعدها أنواع ثلاثة : أحدها آيات أمرت بقتال الدفاع كقوله تعالى ( و قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) و قوله ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) , و هذا قتال ليس للإكراه على الإسلام بل هو لدفع غائلة المشركين . و النوع الثاني آيات أمرت بقتال المشركين و الكفار و لم تغيـي بغاية , فيجوز أن يكون إطلاقها مقيداً بغاية ( حتى يعطوا الجزية ) و حينئذ لا تعارضه آيتنا هذه ( لا إكراه في الدين ) . و الثالث ما غيـي بغاية كقوله ( حتى لا تكون فتنة ) فيتعين أن يكون منسوخاً بهاته الآية و آية ( حتى يعطوا الجزية ) , كما نسخ حديث – أمرت أن أقاتل الناس – هذا ما يظهر لي من معنى الآية . و الله أعلم .اه

و يبدو ان ما حمل الإمام ابن عاشور على القول بنسخ آية ( و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين لله ) , ما ذكره معظم المفسرين من أن معنى الآية هو الأمر بالقتال حتى لا يكون شرك أو كفر و تكون الطاعة و الإنقياد لله وحده . فحمل الآية على هذا المعنى فيه تعارض واضح مع الأمر بنفي الإكراه .

و القول بنسخ آية من كتاب الله ليس بالأمر السهل الذي نلجأ إليه – بمجرد توهم التعارض – إذا كان في التأويل السائغ مندوحة . و خاصة أن التأويل الذي ذهب إليه أكثر المفسرين  يتعارض مع قضاء كوني أراده الله سبحانه و لا مطمع في تغييره و إزالته و هو وجود الكفر و الشرك و المعاصي ( و لو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً ) و لكنه سبحانه لم يشأ ذلك ليتم معنى الإبتلاء و الإختبار . فذلك يرجح أن ما ذهب إليه المفسرون في معنى الآية لا يستقيم .

و معنى الفتنة هو التعذيب و الإيذاء ,  و ذلك مثل قوله تعالى ( إن الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم و لهم عذاب الحريق ) . و يؤيد ذلك ما روي عن عروة ابن الزبير قال : : كان المؤمنون في مبدأ الدعوة يفتنون عن دين الله، فافتتن من المسلمين بعضهم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة، وفتنة ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة، توامرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم، فأصاب المؤمنين جهد شديد، فهذا هو المراد من الفتنة، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة.

و الدين في سياق هذه الآية هو المحاسبة و المكافأة و الجزاء و مثله قوله تعالى ( مالك يوم الدين ) . و على هذا يكون معنى الآية : الأمر بالقتال و الإذن به يعتمد على وجود مبرر القتال و هو رفع الفتنة و الإيذاء و التعذيب بسبب الإيمان و الإعتقاد . فحرية الرأي و حرية الإعتقاد مطلب إنساني لا بد من حمايته , فالجزاء و المكافأة على الكفر أو الإيمان هو من شأن الله تعالى يحاسب عباده و يجازيهم على إيمانهم أو كفرهم في الآخرة , و ليس هذا من شأن العبيد .

فتأويل الآية بهذا الوجه لا يزيل التعارض مع آية ( لا إكراه في الدين ) الذي حمل ابن عاشور على القول بالنسخ فحسب , بل يجعل الآية مما يؤكد منع الإكراه و الإيذاء بسبب الإيمان و يجعل رفع الفتنة هو السبب المقبول للقتال , مما يتوافق مع مقاصد الدين و يضع رسالة الإسلام – كما أرادها الله سبحانه – رسالة تحريرية للإنسان بحماية أخص ما يميز إنسانيته و المتمثل في حرية الفكر و الإعتقاد .

و تأويل الآية بهذا الوجه ليس فيه ما يجعله تأويلاً بالرأي لمجرد مخالفته للمنقول , بل هو النصيحة لكتاب الله بأن نقول فيه أحسن ما نعلم و خاصة أن التأويل الذي رجحناه هو مما تسيغه اللغة و عليه أدلة من القرآن الكريم و يرفع التعارض مع كليات العقيدة و خصائص الرسالة الخاتمة .   

و كذلك , لا بد من وضع مسألة الردة عن الدين في إطار منع الإكراه , فالتهديد بالقتل هو الإكراه الذي يجب رفعه و منعه . و لذلك ذهب المحققون من العلماء إلى أن الحكم بقتل المرتد ليس بسبب الكفر بل بسبب الإنحياز للعدو المحارب , و هو المعنى المقصود في الحديث النبوي ( التارك لدينه المفارق للجماعة ) . فإذا سلمت الردة عن معنى الخيانة و الإنحياز للعدو المحارب ( مفارقة الجماعة ) و التي تشكّل جريمة سياسية يعاقب عليها القانون في كل الدول , فليس للردة من عقوبة في الدنيا غير ما يترتب على الكفر من أحكام فردية تتعلق بالآخرين مثل أحكام الزواج و الإرث و الذبائح و غيرها .

و بعد هذا التقرير لأهمية منع الإكراه و وضع هذا المنع في الإطار الصحيح المنسجم مع خصائص الإسلام  و سماحته , يتبين بوضوح أن المحاولات السمجة لربط الإسلام بالإكراه هي محاولات مشبوهة و تشويه مقصود . إن ما تريده الأمة من الرجوع إلى دينها هو الهوية الحضارية و ثقافة التسامح التي وسعت تعددية مذهبية و عرقية و دينية كانت مضرب الأمثال عبر التاريخ و مدعاة افتخار و اعتزاز لكل من ينتمي إلى هذه الحضارة و هذه الثقافة .